” ما يُقلقُنِي بخصوصِ الدِّين، أنه يُعلِّمُ الناسَ أن يَرضوا دونَ أن يفهموا “. (ريتشارد دوكنز )

لطالما تهتُ بيني وبيني في الحكم على الأشياء والمواقف، وترددتُ، أأتبعُ حدسي الذي يُلاحظُ، ويقرأ، ويُحلل، ويستنتج، أم أتبعُ الظاهر رغم يقيني بأنه تمثيلٌ ودجلٌ رخيص، فأهلُ الدجلِ الإسلامي الحديث ألبسوا الدينَ لِباساً حديدياً يخنقُ أنفاسه، ويكتم مساماته، ويُلغي جوهره، ويجعله مُجردَ آلةٍ باردةٍ للقمعِ والحكمِ باسمِ السماءِ وتحتَ إشرافها، وبالطبع، فالآياتُ والأحاديثُ التي يتكفلُ كبارُ رجالِ الإفتاء بليِّ أعناقها، كفيلةٌ دائماُ بإسكاتِ أي صوتٍ مخالف، إذ أنه لا اجتهادَ معَ النص أيها الضحايا الأوغاد.

أكتبُ هذه المقدمة وفي خاطري أن أتحدث عن كيانٍ من أبرزِ الكيانات التي تتمثلُ شريعة السماء وهي منها براء، ومن أبرزِ جماعات المافيا الدينية التي تؤسلمُ كل شئ تفعله، حتى أخطائها القبيحة لا تجدُ حرجاً في نسبتها إلى الشريعة الإسلامية، وتبريرها بمنطقِ الدين.

لو استعرضنا الكيانات الأعنف في تاريخ الدين الإسلامي، سنجدُ عدة فرقٍ تاريخية كانت تقتلُ وتسجنُ وتحاكم باسم الدين وباسم السماء، بداية من الفرق الشيعية المتعصبة التي تَعتَبِرُ قتلَ المسلم السُّني قُربةً إلى الله، ومروراً بجماعةِ طالبان الذين كانوا يعاقبونَ الرجل لحلاقةِ ذقنه، والمرأة لخروجها دون غطاءِ وجهها، وكل هذا باسمِ السماء، وانتهاءً إلى التجربةِ الأكثر ألماً، تلك المحسوبةُ على بلادٍ أقلُ ما يجب أن تكونه الآن داخل نطاق التحضر الفكري والعصري الذي يكفلُ حريةَ الناس، ويضمنُ عدم إيذائهم وانتهاك حيواتهم وخصوصياتهم باسم الدين. هذا الكيان هو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية.
وكي لا يُساء فهمُ مقالي، أو يَعتبرهُ البعضُ هجوماً على الهيئة، فما يهمني توضيحه ومناقشته، وما يهمني إثباته حقاً، هو المنطلق الذي على أساسه يعملُ هذا الكيان الصغير، فالمنطلق الفكري يمكن أن يكون مدخلاً مناسباً لفهم ومناقشة دور الهيئة كجهةٍ تنظيمية تقومُ بدورٍ محدودٍ في الكيان الأكبر وهو الدولة.
مشكلتي هي الافتراءُ على الله، أؤمنُ أن الله أكبرُ وأجل من أن يُشرع تشريعاتٍ سخيفة وعقيمة مثل التي تقوم بها الهيئة، وتدعي أنها من الإسلام. لذلك، لا مشكلة لدي في وجود الهيئة، ولكن لدي مشكلة في مزاعمها التي تربط بها تصرفاتها بالله، وبالدين الإسلامي، فبالرغمِ من أنها كيانٌ يُحسنُ عرض نواياه الحسنة، وتبريراته الشرعية، ويتذرعُ بالأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن أسلوبها في ذلك مبتدعٌ لم يُنزل الله به من سُلطان، ولا يليقُ بإلهٍ عظيمٍ أن يمنح أحداً من خلقه سُلطةً دينية يعاقبون بها خلقاً آخرين، فالبشرُ قاصرون دائماً عن تقمص دور الإله وهو ما يجعلني أتحدثُ عن الهيئة كسلطةٍ تنفيذيةٍ لقانونٍ وضعي، وليس لقانونٍ إلهي، ويجعلني أيضاً أصفُ الهيئة بأنها محاولة مثيرةٌ للشفقة لتقمص دورٍ سماوي لا يليقُ إلا بالله.

الهيئة في اعتباري ليست كياناً إسلامياً، بل هي كيانٌ تنظيمي وُضع لتحديدِ وتطبيقِ وجهة النظر الأخلاقية التي يُقرُّها فهمُ علماءِ الفتوى السعوديين، وذلك عن طريق السلطة القانونية في الدولة. وهذا بالطبع لا يخلو من التشدد الذي لا يندرج تحت مُسمى تشريع إسلامي، بل هي شطحات يحاول أصحابها إقناعنا بأنها إسلامية. لنأخذ مثلاً أشهرَ ما عُرفت به الهيئة، أنها تمر أوقات الصلوات، وتُجبر المحلات التجارية على الإغلاق، وهذا ليسَ تشريعاً إسلامياً ولا إلاهياً، بقدرِ ما هو خيارٌ تنظيمي طرحته الدولة كبندٍ يُطبق بقوة القانون، لكن باسم الإسلام. وهذا في حدِّ ذاته يُفقد الهيئة مصداقيتها.

في الحقيقةِ أن استبداد الهيئة في كثيرٍ من الأمور، وانتهاكها الصارخ لكثيرٍ من الحريات، أرِيدَ له أن يكونَ أمراً مقبولاً ورائجاً في العصر الحديث عن طريق اللعب على الوتر الديني، وإضفاء صفة الإسلامي على هذا الكيان، ولذلك فمن سيعترضُ عليه، فإنه سيعترض على الدين والتشريع الإسلامي، ويكون بذلك قد وقع في المحظور والجريمة الشنعاء.

تباً لتلك التابوهات الاستبدادية التي تصبغ عُوَارها وحاجتها للتحكم بالمقدس، بالدين السماوي، بالله، تباً لكلِّ من يحاولُ استغلال فطرة الإنسان وحاجته إلى السماء.

أخطرُ ما يحدث أنه يتم اعتبار الاستبداد والتحكم اللامشروع شعيرة دينية. ومن هذا المنطلق يُمكن اقتراف الكثير، وخنق الحرية وانتهاك الخصوصية تحت دعاوى الحفاظ على الدين والأخلاق.

الانتهاك للحريات الشخصية، يتمثلُ في اقتحام الاستراحات مثلاً، اقتحام البيوت وغرف العمال الهنود وغير السعوديين من أجل تفتيشها دون وجه حق، اختطاف الواقفين في الشارع وقت الصلاة، خصوصاً إذا كانوا من غير السعوديين، سواء عمالاً أو بشراً من المستوى العاشر وفقَ التصنيف العنصري في المجتمع السعودي. التدخل الشائن في مهنية الأعمال وفصل الموظفات على أساسٍ تبجحي يستندُ إلى سوء الظن، الاشتباه في أي ذكرٍ أعزبٍ يتجول قريباً من أي سوق تجاري، انتهاك خصوصية الهواتف المحمولة لأي شخص يشتبه فيه رجل الهيئة المتحمس لسوء الظن، وتفتيش صوره ورسائله الشخصية بحثاً عن أي شبهةٍ أو حتى مجرد شئ لا يعجب البطل المغوار رجل الهيئة، أليس هذا ما يحدث باسم الدين؟ الأمرُ يكون مُقززاً في كثيرٍ من الأحيان، وباعثاً على صناعة الكراهية لهذا الكيان الذي من المفترض أن يحمي ويُنظم، لا أن يُهاجم ويُدين. ولهذا هناك تلك الفجوة في فهم دور الهيئة ككيانٍ تنظيمي يحاول المحافظة على المنظومة الأخلاقية الاجتماعية من وجهةِ نظرٍ متشددة.
ولو تخلت الهيئة عن التحدث باسم الإسلام، وعن ممارسة الانتهاكات باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو تعاملت مع المواطنين والمخالفين كبشرٍ مخالفين للقانون، وليس كأشخاصٍ وضيعينَ بلا كرامةٍ أو عزة، لأصبحت سمعتها بخلافِ ما هي عليه الآن. لأصبحت شيئاً يُمكننا مناقشته دون خوف، دونَ تجريم أو إدانة.

لو كانتِ الهيئةُ تعرفُ عن شرفِ الضحيةِ ما تعرفه عن شرفِ الأخلاق، تُحبُّ المعروف مثلما تُحبُّ الفضائح والاشتباه، لما كانت الفجوة عميقةً بهذا الشكل.

في النهاية، ماذا استفاد المجتمع على مستوى الأخلاقيات العامة من هذه الهيئة التي تدعي حفظ المنظومة الأخلاقية للمجتمع السعودي؟
بالطبع أتوقع قائمةً كبيرةً من الاتهامات أبرزها أنني أنظر إلى نصف الكأسِ الفارغ، أو أنني أذكر السلبيات وأتجاهل الإيجابيات، وربما يسرد بعض المتعصبين قائمةً لقضايا مخدرات أو معالجة بعض قضايا الاغتصاب والشذوذ والتهديد بالفضيحة من مراهقين يملكون صوراً لفتيات، ولكن بمجرد أن يمر أي عاقلٍ محايد بعينيه على الإحصائيات الأخيرة، ويستقرئ واقع الشذوذ، وزنا المحارم، والعنف الأسري، والظلم الاجتماعي، سيعرف أن كياناً يُسمي نفسه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعلن أن تخصصه هو حفظ المنظومة الأخلاقية الدينية في المجتمع، ما هو إلا هراء فارغ.

16 مايو, 2008ماتت هديل..

أعرفُ أن الحياة البائسة التي يعيشها العالم، لم تكن تليق بكِ كثيراً يا هديل. أعرفُ وأتفهم.

رحلت هديل الحضيف عنا اليوم صباح الجمعة، بعد أن خاصمت العالم لمدة ثلاثة أسابيع أو أكثر، وهي في غيبوبة لا أحد يعرف سببها على وجه التحديد. فادعوا لها بالرحمةِ في صلواتكم وخلواتكم، إنها تستحق أيها العالم

لروحها الجميلة، أزف تحياتي والكثير من الورود، أحسدكِ يا هديل، امتلكتِ الشجاعة لتغادري مبكراً، لم تعاني كثيراً من مرض الحياة، عبرتِ سريعاً، فهنيئاً لكِ. ها أنتِ أخيرا اقتربت من باب الجنة الحقيقي، أتمنى لكِ مُقاماً طيباً

لأهلها ولكل المفجوعين بها، لوالدها الدكتور محمد، وأختها أروى، إنا لله جميعاً، وإنا إليه لراجعون. قريبا سنلتقي بها جميعاً.

هديل، أي سر تخفينه الآن يا هديل؟ أي سر يا ابنة أربعة وعشرين عاما؟

ضمن فعاليات: أنتَ تسأل، والخبير يجيب.

ما هي العوامل التي تحكمُ التدفقات النقدية لسوق البورصة السعودية؟
- حظي السئ.
- الطقس.
- ارتفاع وانخفاض مستوى الماء في المحيطات.
- درجة الحرارة في سيرفر هيئة سوق المال.
- وأخيراً، سيولة المستثمرين الذين انقرضوا فيما يبدو.

***

ما هي توصياتك لدخول السوق هذه الأيام؟
- التأكد أولاً من عمل الجهاز التنفسي.
- إجراء فحص القلب، وفصيلة الدم.
- بناء على تحقيق الشرطين السابقين، يمكن دخول السوق وفقاً لنتائج فصيلة الدم حسب الجدول التالي:

الأشخاص حاملي فصيلة دم O : يُنصح بدخول أسهم: بترو رابغ، الصحراء، المتقدمة، التصنيع، المجموعة السعودية، زين.
الأشخاص حاملي فصيلة دم B : ينصح بتجنب الأسهم الخاصة بفصيلة O، والتبرع بلتر على الأقل من الدم، ثم دخول: سابك، سبكيم، الراجحي، العبد اللطيف.
الأشخاص حاملي فصائل الدم الأخرى: ينصح بالاستثمار طويل المدى في الشركات ذات العوائد فقط، وعدم المضاربة.
الأشخاص الذين ليس لديهم دم على الإطلاق، يُنصح بدخول شركة أنعام، الباحة.

للمتوقفين عن النبض وفقاً للتقرير الطبي: يُرجى عدم التهور حتى لا تعود قلوبكم للحياة.

***

إلام تشير إحصائيات عمق السوق هذه الأيام؟
- إلى أنني غارق.
- إلى قول المتنبي يمدح سيف الدولة: بناها فأعلى، والقنا تقرع القنا … وموجُ المنايا حولها متلاطمُ
- وأخيراً، تشير إحصائيات عمق السوق إلى: ومن يتهيب صعودَ الجبالِِ … يعش أبدَ الدهرِ بينَ الحفر

الإنسانُ باعتبارهِ سراً،

السرُّ باعتبارهِ لُغزاً،

اللغزُ باعتبارهِ قابلاً للحل،

الحلُ باعتبارهِ سقوطاً،

السقوطُ باعتبارهِ أصلُ الإنسان.

كي تكوني على علم، أنا…
إنسانٌ لحظي، قطرةُ ماءٍ دائماً على وشكِ أن تتبخر، وكل ما يبقى منها ذاكرةٌ للبلل.
- هل تؤمنين بالآخرة؟
- أؤمنُ.
- ألتقيكِ هناك.

***
الغريبُ أخو الغريبة.
شئٌ فوضويٌ جداً أن أحبكِ، وأعلمُ؛ أن تحبيني بالمقابل هو شئٌ أكثر فوضوية، لكن من فضلكِ، افعلي ذلك الآن، وأنتِ مريضة، حتى أتمكن من مناداتك: حبيبتي.

***
لا مفر من الآدمية.
لا حدودَ لانهزامي أمامَ الحياة، أمامَ اللحظةِ التي أعيشها بكلِّ ما يحتملُ وجودُها من جنونٍ، بأضعافِ ما تحتمله من فوضى، لذا، لا خلود.
أنا الذي خذل المعنى فخذله الوقت.

***

إعلان: جائزة قيمة لمن يثبت أنني لا أستحق الحياة.

20 أبريل, 2008هاجس ( 2 )

بداية طريق قد لا ينتهي

أريدُ أن أموت، ليس لأنني أنجزتُ كل ما يمكنُ فعله في هذه الحياة، ولكن لأنني أخشى أن أبدأ.

ومما تحلو به الأيام، ويجلو الباطن للعيان، ويبعثُ الأمل في القادمِ الجديد، ويرفعُ الحرج عن الماضي التليد، أن تعرفَ أن بداخلك وحشٌ لم ينطلق بعد، وغابة لم يطأها أحدٌ قبل ذلك، ولا حتى أنت، ويُخبرك الخبيرُ أنك بحاجةٍ إلى من يكتشفك، ويطلقُ الوحشَ الذي بداخلك
كان الخبير هو أحد الاستفتاءات الجماعية على فيس بوك، بعنوان:
What is Your Sexual Personality

وبعد الإجابة على عدة أسئلة، بعد أن أتعبت نفسي وأنا أنهر المتصفح، أريد أن أقول له: وما دخلك أنت، أكملت الاستفتاء، وأرسلت عدة دعوات لبعض الأصدقاء، ثم ظهرت النتيجة الحتمية التي كان لابد لها أن تظهر، وكانت كالآتي:

You are a CLOSET FREAK!
You let out your freak occasionally, but you have so much left to accomplish! There is something deeply naughty about the way you approach sex, you just need to find someone to unleash your inner beast. Find them and find yourself!

ها أنا إذن، قريب من غرابة الأطوار، بداخلي وحشٌ حبيس، ولدي قدر كافٍ من الشر في طريقة ممارسة الجنس، لا مشكلة، أتقبلُ ذلك، والآن، من يا تُرى ستطلق الوحش؟
هع هع

على افتراضِ أنَّ العلمَ هوَ الذي يُحدِّدُ للأممِ قيمتها الحضارية، وسموها المعرفي، ويحدد أيضاً مدى مشاركتها في صنعِ الحضارةِ والتنقلِ بين الأدوار الريادية، فإن العلم لا يشهد لصالحِ أيِّ من الجامعاتِ المصرية، بما في ذلك الصروح التعليمية العريقة كجامعة القاهرة، وجامعة الأزهر.

بل إنني من أسفٍ أقول إن أطلاقَ وصف ” الصروح التعليمية ” لم يعد يجوز في حقِّ جامعاتنا المريضة، والتي يمشي التخلفُ فيها مرفوعَ الرأسِ بين الجميع، يأمر وينهى، ويُخطِّطُ ويُشرّع، ويُحقق سيادته على كامل خطوات العملية التعليمية.

يُفترضُ أن الدور الرئيسي للجامعة هو الرقي بالمجتمع من خلالِ الرقي بالعملية التعليمية، وتخريج أجيالٍ مُتعلمةٍ قادرةٍ على مواكبة النهضة العالمية، والمشاركة فيها، وهذا هو الدور البديهي والوظيفي الذي من المفترض أن تؤديه أي جامعةٍ و أي صرحٍ تعليمي.

مثلثُ العملية التعليمية في الجامعة يتكونُ عادةً من : الإدارة، الأستاذ، الطالب. فلابدَّ أولاً من إدارةٍ لتسييرِ الجامعة وتدبيرِ شؤونها، ثم لابدَّ من أستاذٍ يُمثلُ حلقة الوصل ما بين العلم وبين المتلقي، ثم أخيراً لابدَّ من وجود هذا المتلقي، وهو الطالب. ويبدو من الواضح أنه لكي تتم أي عمليةِ تعليمٍ حقيقةٍ في الجامعة، فلابدَّ من من أداءِ كلٍّ لدوره بدقةٍ شديدةٍ، وإخلاصٍ حقيقي.

تُشير المؤشرات إلى أن كُلاًّ من الطالب والأستاذ قد فقد ثقته في النظام التعليمي الجامعي، فمن جهة الطالب، أصبح التعليم مُجرد عادة اجتماعية وروتيناً أجوف لا يكادُ يُقدم جديداً خلالَ الدراسةِ وبعد الانتهاء منها أيضاً، ومن جهة الأستاذ فقد أصبحت العملية التعليمية مُجرد “بيزنس” أو وسيلةً للتكسب كيفما اتفقت الأحوال، مُجرد وظيفةٍ فقدت مصداقيتها وقيمتها الأدبية والأخلاقية بتخلي الأستاذ عن دوره الريادي ومسؤوليته تجاه العلم والحضارة والمعرفة، وبالانفصال والانفصام في علاقته بالطالب. فمن نحاكم، ومن هو المسئول الحقيقي عن هذه الكارثة العامة، كارثة تدهور التعليم وانحطاط العملية التعليمية في مصر..؟

لنتساءل، هل تعتمدُ الإدارة في دورها على الأستاذ، أم هو الذي يعتمدُ عليها، وهل يعتمد نجاح الأستاذ على مدى قابلية الطالب، أم أنه هو الذي يخلق هذه القابلية بمساعدةٍ من الإدارة عن طريق وضع السياسات والخطط التعليمية الكفيلة بتلبية الرغبات الحقيقية للطالب، والاحتياجات البديهية للأستاذ؟
إن إجابة هذا السؤال ستدلنا بطريقةٍ مباشرة على الوجهة التي نشير إليها بأصابع الاتهام، ومحاكمتها من أجل التقصير الذي تسببت به على مدى سنواتٍ فائتة – هذا إن كان ممكناً محاكمةُ المخطئ في هذا البلد البائس - ولا زال الوضع آخذاً في الاستياء والانحدار إلى دركاتٍ أسفل.

في الحقيقةِ لقد أودى الاستهتار اللامسؤول لإدارات الجامعات، وخيانة القائمين عليها، لتحول تلك الجامعات إلى مُجرد أداة وصوت للسياسات الحكومية، وإلى صروحٍ من ورق ليست مؤهلة حتى للمنافسة على مكانٍ في قائمةِ أفضل خمسمائة جامعة في العالم، وهي الجامعات التي تتبجحُ ليل نهار بعراقتها وأصالتها في مجال التعليم.

ترتبطُ العمليةُ التعليمية دائماً بالنتائج، والمعادلة بسيطة وبديهيةٌ جداً في هذا الشأن: إذا لم يكن هناك نتائج، فإذن، لم يكن هناك تعلم. وذلك دونَ كثيرِ تنظيرٍ أو افتراضٍ أو تلمسٍ للأعذارِ وتبريرٍ للكبوات.

أين التعلمُ إذن؟ وما الذي تفعله وزارة التربية والتعليم، في ظلِّ انتفاءِ أيِّ تربيةٍ للأجيالِ الحديثة، وانتفاء أي فعلٍ تعليمي بالتبعية؟ وما الذي تفعله وزارةُ التعليم العالي إذا كان خريجُ كليةِ الطبِّ لا يستطيعُ أن يتعامل مع المرض، ولا تنتابه أي شفقةٍ أو رحمةٍ إنسانية تجاه المريض، عليهم إذن أن يُسموها كليةَ البؤس. وما الذي تفعله تلك الوزارة إذا كان خريجُ كليةِ الزراعةِ لا يُساهمُ في تنمية الزراعة المصرية، أو خريج الألسن إذا لم يزدهر مجال الترجمات وتنال المكتبة العربيةُ نصيبها الوافي من آدابِ وعلومِ اللغات الأخرى، وخريجُ الهندسةِ إذا كانت مجالات التقنية والتطبيقات التي نتعاطها هي ما تجاوزه الآخرون منذ سنوات؟

وما الذي سيطلبه الباحثُ غير النتائج الملموسةِ والإنجازات الحقيقية على مستوى الفرد والمجتمع، لا تلك النتائج والبيانات الرسمية التي توضع ديباجتها من قِبلِ المسؤولين والناطقين باسم الحكومة، والتي غالباً ما تُصادِرُ – بطريقةٍ فجةٍ مُضحكة - النجاحات الفردية لعباقرةِ التعليم المصري في الخارج، وتنسبها إلى جهودها وإشرافها اليقظ على العملية التعليمية. والأمثلة في هذا كثيرة، ولعل أوضحها هو ما حدث مع العالم المصري أحمد زويل، فلم يكد المزايدون على منهجية الدولة وجهودها التعليمية يتلقون نبأ حصوله على نوبل، حتى بدأت البيانات والخطب الرسمية تُشيد بما حققته القيادة الرشيدة، وبما وصلت إليه المساعي السامية لثلةٍ من المسؤولين الذين ربما لم يعرفوا يوماً تخصص أحمد زويل وإنجازاته التي أوصلته إلى نوبل، فضلاً عن أن يدَّعوا أنهم – مُمَثَّلِين في الدولة – أصحابُ الفضل في تلك الإنجازات بإشرافهم واهتمامهم الوهمي. فيا لبؤسِ المسعى.

إنها لسياسةٌ مُضحكةٌ تلكَ التي تزايدُ على جهودِ الأبناءِ من أجل نيلِ الفخر الكاذب، تماماً مثل الأب الذي يرمي أولاده إلى الشارع، فإذا ما نجح أحدهم في أن يكون يوماً ما ذا شأنٍ عظيم، فإنه ينسبُ الفضلَ لنفسه، ويُصادرُ بملءِ فيهِ، نجاحاتِ ابنه قائلاً: هذا هو ابني. مع أنه لم يبذل جهداً أكثر من جهدِ إلقاءِ ابنه إلى الشارع، وربما صفعه عدة صفعاتٍ لا تُنسى.

حسناً، ما الذي يَنتظره الباحثُ من بحثه عن نتائج خمسين سنة من التعليم، وتخريج الدفعات المتتالية من كلياتِ الطبِّ والهندسة والفنون التطبيقية، والآداب واللغات والتجارة والتربية، ألا ينتظر بربكم ثورةً علميةً وتقدماً حتمياً ملحوظاً يؤثرُ على المستوى العام والخاص؟

دعوني أخبركم، إنهُ عصرُ السقوطِ العظيم للأمةِ المصرية. هذهِ الأمة التي تَسَبَّبَ حُكامها وشعبُها المُدجنُ في نشرِ الفوضى، والبؤس، في كل أرجاء التاريخ الحديث، حتى ما عادَ لهم سوى أن يقتاتوا الخزي اليومي راضينَ مُستسلمين.

اكتشفتُ اليومَ بعدَ بَحثٍ مُضنٍ، وطولِ تأملٍ، أني أفتقدُ من مكتبتي، أحدَ عشرَ كِتاباً.

الكِتابُ الأول: رُبما سُرق.
الكتابُ الثاني: ربما ضاع.
الكتابُ الثالث: ربما اختفى.
الكتابُ الرابع: أهديتهُ مُكرهاً .
الكتابُ الخامس: ربما مَلَّ من طولِ إهمالهِ، فقرر أن ينتحر.
الكتابُ السادس: كانَ ديواناً يتحدثُ عن الرحيل.
الكتابُ السابع: ربما نسيتهُ في مكانٍ ما.
الكتابُ الثامن: استعارهُ أحدُ الأصدقاءِ، ولم يُرجعه.
الكتابُ التاسع: رُبما اقتدى بالكتابِ الثالث.
الكتابُ العاشر: كانَ يتحدثُ عن الحب، طَمِعت فيهِ عابرةٌ، فتنازلتُ عنه لِقاءَ قُبلة.
الكتابُ الحادي عشر: لم أجده، فحسب.

24 يناير, 2008هاجس ( 1 )

تلك العتمة الباهرة

أرفضُ الموتَ في الساعةِ الواحدةِ بعد منتصف الليل. إنها الساعةُ التي وُلدتُ فيها.

أرجوك يا إلهي أن تتفهم أني لا أريدُ الموت في ذات الساعةِ التي وُلدتُ فيها، فهي في قلبِ الليلِ تماماً، وعليَّ أن أنتظرَ طويلاً حتى يَحلَّ الصبح، هذا إن كانَ الموتى يُشاهدونَ ضوء الشمس. قد يُناسبني وقتُ الفجر، حيثُ أصعدُ إلى السماءِ وأنا أترقبُ شُروقاً ما. أعتقدُ أن هذا سَيشعرني بالرضا.


© الْهَاوِيَةُ | تصميم TextNData | تعريب قياسي | تخضع محتويات الْهَاوِيَةُ لرخصة Creative Commons