2 يوليو, 2008باسم الدين أم باسم القانون؟
” ما يُقلقُنِي بخصوصِ الدِّين، أنه يُعلِّمُ الناسَ أن يَرضوا دونَ أن يفهموا “. (ريتشارد دوكنز )
لطالما تهتُ بيني وبيني في الحكم على الأشياء والمواقف، وترددتُ، أأتبعُ حدسي الذي يُلاحظُ، ويقرأ، ويُحلل، ويستنتج، أم أتبعُ الظاهر رغم يقيني بأنه تمثيلٌ ودجلٌ رخيص، فأهلُ الدجلِ الإسلامي الحديث ألبسوا الدينَ لِباساً حديدياً يخنقُ أنفاسه، ويكتم مساماته، ويُلغي جوهره، ويجعله مُجردَ آلةٍ باردةٍ للقمعِ والحكمِ باسمِ السماءِ وتحتَ إشرافها، وبالطبع، فالآياتُ والأحاديثُ التي يتكفلُ كبارُ رجالِ الإفتاء بليِّ أعناقها، كفيلةٌ دائماُ بإسكاتِ أي صوتٍ مخالف، إذ أنه لا اجتهادَ معَ النص أيها الضحايا الأوغاد.
أكتبُ هذه المقدمة وفي خاطري أن أتحدث عن كيانٍ من أبرزِ الكيانات التي تتمثلُ شريعة السماء وهي منها براء، ومن أبرزِ جماعات المافيا الدينية التي تؤسلمُ كل شئ تفعله، حتى أخطائها القبيحة لا تجدُ حرجاً في نسبتها إلى الشريعة الإسلامية، وتبريرها بمنطقِ الدين.
لو استعرضنا الكيانات الأعنف في تاريخ الدين الإسلامي، سنجدُ عدة فرقٍ تاريخية كانت تقتلُ وتسجنُ وتحاكم باسم الدين وباسم السماء، بداية من الفرق الشيعية المتعصبة التي تَعتَبِرُ قتلَ المسلم السُّني قُربةً إلى الله، ومروراً بجماعةِ طالبان الذين كانوا يعاقبونَ الرجل لحلاقةِ ذقنه، والمرأة لخروجها دون غطاءِ وجهها، وكل هذا باسمِ السماء، وانتهاءً إلى التجربةِ الأكثر ألماً، تلك المحسوبةُ على بلادٍ أقلُ ما يجب أن تكونه الآن داخل نطاق التحضر الفكري والعصري الذي يكفلُ حريةَ الناس، ويضمنُ عدم إيذائهم وانتهاك حيواتهم وخصوصياتهم باسم الدين. هذا الكيان هو هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية.
وكي لا يُساء فهمُ مقالي، أو يَعتبرهُ البعضُ هجوماً على الهيئة، فما يهمني توضيحه ومناقشته، وما يهمني إثباته حقاً، هو المنطلق الذي على أساسه يعملُ هذا الكيان الصغير، فالمنطلق الفكري يمكن أن يكون مدخلاً مناسباً لفهم ومناقشة دور الهيئة كجهةٍ تنظيمية تقومُ بدورٍ محدودٍ في الكيان الأكبر وهو الدولة.
مشكلتي هي الافتراءُ على الله، أؤمنُ أن الله أكبرُ وأجل من أن يُشرع تشريعاتٍ سخيفة وعقيمة مثل التي تقوم بها الهيئة، وتدعي أنها من الإسلام. لذلك، لا مشكلة لدي في وجود الهيئة، ولكن لدي مشكلة في مزاعمها التي تربط بها تصرفاتها بالله، وبالدين الإسلامي، فبالرغمِ من أنها كيانٌ يُحسنُ عرض نواياه الحسنة، وتبريراته الشرعية، ويتذرعُ بالأمرِ بالمعروف والنهي عن المنكر، إلا أن أسلوبها في ذلك مبتدعٌ لم يُنزل الله به من سُلطان، ولا يليقُ بإلهٍ عظيمٍ أن يمنح أحداً من خلقه سُلطةً دينية يعاقبون بها خلقاً آخرين، فالبشرُ قاصرون دائماً عن تقمص دور الإله وهو ما يجعلني أتحدثُ عن الهيئة كسلطةٍ تنفيذيةٍ لقانونٍ وضعي، وليس لقانونٍ إلهي، ويجعلني أيضاً أصفُ الهيئة بأنها محاولة مثيرةٌ للشفقة لتقمص دورٍ سماوي لا يليقُ إلا بالله.
الهيئة في اعتباري ليست كياناً إسلامياً، بل هي كيانٌ تنظيمي وُضع لتحديدِ وتطبيقِ وجهة النظر الأخلاقية التي يُقرُّها فهمُ علماءِ الفتوى السعوديين، وذلك عن طريق السلطة القانونية في الدولة. وهذا بالطبع لا يخلو من التشدد الذي لا يندرج تحت مُسمى تشريع إسلامي، بل هي شطحات يحاول أصحابها إقناعنا بأنها إسلامية. لنأخذ مثلاً أشهرَ ما عُرفت به الهيئة، أنها تمر أوقات الصلوات، وتُجبر المحلات التجارية على الإغلاق، وهذا ليسَ تشريعاً إسلامياً ولا إلاهياً، بقدرِ ما هو خيارٌ تنظيمي طرحته الدولة كبندٍ يُطبق بقوة القانون، لكن باسم الإسلام. وهذا في حدِّ ذاته يُفقد الهيئة مصداقيتها.
في الحقيقةِ أن استبداد الهيئة في كثيرٍ من الأمور، وانتهاكها الصارخ لكثيرٍ من الحريات، أرِيدَ له أن يكونَ أمراً مقبولاً ورائجاً في العصر الحديث عن طريق اللعب على الوتر الديني، وإضفاء صفة الإسلامي على هذا الكيان، ولذلك فمن سيعترضُ عليه، فإنه سيعترض على الدين والتشريع الإسلامي، ويكون بذلك قد وقع في المحظور والجريمة الشنعاء.
تباً لتلك التابوهات الاستبدادية التي تصبغ عُوَارها وحاجتها للتحكم بالمقدس، بالدين السماوي، بالله، تباً لكلِّ من يحاولُ استغلال فطرة الإنسان وحاجته إلى السماء.
أخطرُ ما يحدث أنه يتم اعتبار الاستبداد والتحكم اللامشروع شعيرة دينية. ومن هذا المنطلق يُمكن اقتراف الكثير، وخنق الحرية وانتهاك الخصوصية تحت دعاوى الحفاظ على الدين والأخلاق.
الانتهاك للحريات الشخصية، يتمثلُ في اقتحام الاستراحات مثلاً، اقتحام البيوت وغرف العمال الهنود وغير السعوديين من أجل تفتيشها دون وجه حق، اختطاف الواقفين في الشارع وقت الصلاة، خصوصاً إذا كانوا من غير السعوديين، سواء عمالاً أو بشراً من المستوى العاشر وفقَ التصنيف العنصري في المجتمع السعودي. التدخل الشائن في مهنية الأعمال وفصل الموظفات على أساسٍ تبجحي يستندُ إلى سوء الظن، الاشتباه في أي ذكرٍ أعزبٍ يتجول قريباً من أي سوق تجاري، انتهاك خصوصية الهواتف المحمولة لأي شخص يشتبه فيه رجل الهيئة المتحمس لسوء الظن، وتفتيش صوره ورسائله الشخصية بحثاً عن أي شبهةٍ أو حتى مجرد شئ لا يعجب البطل المغوار رجل الهيئة، أليس هذا ما يحدث باسم الدين؟ الأمرُ يكون مُقززاً في كثيرٍ من الأحيان، وباعثاً على صناعة الكراهية لهذا الكيان الذي من المفترض أن يحمي ويُنظم، لا أن يُهاجم ويُدين. ولهذا هناك تلك الفجوة في فهم دور الهيئة ككيانٍ تنظيمي يحاول المحافظة على المنظومة الأخلاقية الاجتماعية من وجهةِ نظرٍ متشددة.
ولو تخلت الهيئة عن التحدث باسم الإسلام، وعن ممارسة الانتهاكات باسم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ولو تعاملت مع المواطنين والمخالفين كبشرٍ مخالفين للقانون، وليس كأشخاصٍ وضيعينَ بلا كرامةٍ أو عزة، لأصبحت سمعتها بخلافِ ما هي عليه الآن. لأصبحت شيئاً يُمكننا مناقشته دون خوف، دونَ تجريم أو إدانة.
لو كانتِ الهيئةُ تعرفُ عن شرفِ الضحيةِ ما تعرفه عن شرفِ الأخلاق، تُحبُّ المعروف مثلما تُحبُّ الفضائح والاشتباه، لما كانت الفجوة عميقةً بهذا الشكل.
في النهاية، ماذا استفاد المجتمع على مستوى الأخلاقيات العامة من هذه الهيئة التي تدعي حفظ المنظومة الأخلاقية للمجتمع السعودي؟
بالطبع أتوقع قائمةً كبيرةً من الاتهامات أبرزها أنني أنظر إلى نصف الكأسِ الفارغ، أو أنني أذكر السلبيات وأتجاهل الإيجابيات، وربما يسرد بعض المتعصبين قائمةً لقضايا مخدرات أو معالجة بعض قضايا الاغتصاب والشذوذ والتهديد بالفضيحة من مراهقين يملكون صوراً لفتيات، ولكن بمجرد أن يمر أي عاقلٍ محايد بعينيه على الإحصائيات الأخيرة، ويستقرئ واقع الشذوذ، وزنا المحارم، والعنف الأسري، والظلم الاجتماعي، سيعرف أن كياناً يُسمي نفسه هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، ويعلن أن تخصصه هو حفظ المنظومة الأخلاقية الدينية في المجتمع، ما هو إلا هراء فارغ.


